فصل: سورة الأنبياء:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن (نسخة منقحة)



إنها صورة للنفوس الفارغة التي لا تعرف الجد، فتلهو في أخطر المواقف، وتهزل في مواطن الجد؛ وتستهتر في مواقف القداسة. فالذكر الذي يأتيهم يأتيهم {من ربهم} فيستقبلونه لاعبين، بلا وقار ولا تقديس. والنفس التي تفرغ من الجد والاحتفال والقداسة تنتهي إلى حالة من التفاهة والجدب والانحلال؛ فلا تصلح للنهوض بعبء، ولا الاضطلاع بواجب، ولا القيام بتكليف. وتغدو الحياة فيها عاطلة هينة رخيصة!
إن روح الاستهتار التي تلهو بالمقدسات روح مريضة. والاستهتار غير الاحتمال. فالاحتمال قوة جادة شاعرة. والاستهتار فقدان للشعور واسترخاء.
وهؤلاء الذين يصفهم القرآن الكريم كانوا يواجهون ما ينزل من القرآن ليكون دستوراً للحياة، ومنهاجاً للعمل، وقانوناً للتعامل.. باللعب. ويواجهون اقتراب الحساب بالغفلة. وأمثال هؤلاء موجودون في كل زمان. فحيثما خلت الروح من الجد والاحتفال والقداسة صارت إلى هذه الصورة المريضة الشائهة التي يرسمها القرآن. والتي تحيل الحياة كلها إلى هزل فارغ، لا هدف له ولا قوام!
ذلك بينما كان المؤمنون يتلقون هذه السورة بالاهتمام الذي يذهل القلوب عن الدنيا وما فيها:
جاء في ترجمة الآمدي لعامر بن ربيعة أنه كان قد نزل به رجل من العرب فأكرم مثواه.
ثم جاءه هذا الرجل وقد أصاب ارضاً فقال له: إني استقطعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وادياً في العرب. وقد اردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك. فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك. نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون}..
وهذا هو فرق ما بين القلوب الحية المتلقية المتأثرة، والقلوب الميتة المغلقة الخامدة. التي تكفن ميتتها باللهو؛ وتواري خمودها بالاستهتار؛ ولا تتأثر بالذكر لأنها خاوية من مقومات الحياة.
{وأسروا النجوى الذين ظلموا}.. وقد كانوا يتناجون فيما بينهم ويتآمرون خفية، يقولون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون}.
فهم على موت قلوبهم وفراغها من الحياة لم يكونوا يملكون أنفسهم من ان تتزلزل بهذا القرآن؛ فكانوا يلجأون في مقاومة تأثيره الطاغي إلى التعلات، يقولون: إن محمداً بشر. فكيف تؤمنون لبشر مثلكم؟ وإن ما جاء به السحر. فيف تجيئون للسحر وتنقادون له وفيكم عيون وأنتم تبصرون؟!
عند ذلك وكل الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم وأمره إلى ربه، وقد أخبره الله بنجواهم التي أداروها بينهم خفية؛ وأطلعه على كيدهم الذي يتقون به القرآن وأثره!
{قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض وهو السميع العليم}.
فما من نجوى في مكان على الأرض إلا وهو مطلع عليها وهو الذي يعلم القول في السماء والأرض.. وما من مؤامرة يحدثونها إلا وهو كاشفها ومطلع رسوله عليها وهو السميع العليم.
ولقد حاروا كيف يصفون هذا القرآن وكيف يتقونه. فقالوا: إنه سحر. وقالوا: إنه أحلام مختلطة يراها محمد ويرويها. وقالوا: إنه شعر. وقالوا: إنه افتراه وزعم انه وحي من عند الله:
{بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر}..
ولم يثبتوا على صفة له، ولا على رأي يرونه فيه، لأنهم إنما يتمحلون ويحاولون أن يعللوا أثره المزلزل في نفوسهم بشتى التعلات فلا يستطيعون؛ فينتقلون من ادعاء إلى ادعاء، ومن تعليل إلى تعليل، حائرين غير مستقرين.. ثم يخلصون من الحرج بأن يطلبوا بدل القرآن خارقة من الخوارق التي جاء بها الأولون:
{فليأتنا بآية كما أرسل الأولون}..
ولقد جاءت الخوارق من قبل، فلم يؤمن بها من جاءتهم، فحل بهم الهلاك، وفقاً لسنة الله التي لا تتخلف في إهلاك من يكذبون بالخوارق:
{ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها}.
ذلك أن من يبلغ به العناد ألا يؤمن بالخارقة المادية المحسوسة، لا يبقى له عذر، ولا يرجى له صلاح. فيحق عليه الهلاك.
ولقد تكررت الآيات، وتكرر التكذيب بها، وتكرر كذلك إهلاك المكذبين.. فما بال هؤلاء سيؤمنون بالخارقة لو جاءتهم؛ وهم ليسوا سوى بشر كهؤلاء الهالكين!
{أفهم يؤمنون}..
{ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين}..
فقد اقتضت حكمة الله أن يكون الرسل من البشر، يتلقون الوحي فيدعون به الناس. وما كان الرسل من قبل إلا رجالاً ذوي أجساد. وما جعل الله لهم أجساداً ثم جعلهم لا يأكلون الطعام. فأكل الطعام من مقتضيات الجسدية، والجسدية من مقتضيات البشرية. وهم بحكم انهم بشر مخلوقون لم يكونوا خالدين.. هذه هي سنة الله المطردة فليسألوا أهل الكتاب الذين عرفوا الأنبياء من قبل. إن كانوا هم لا يعلمون.
لقد كان الرسل من البشر ليعيشوا حياة البشر؛ فتكون حياتهم الواقعية مصداق شريعتهم. وسلوكهم العملي نموذجاً حياً لما يدعون إليه الناس. فالكلمة الحية هي التي تؤثر وتهدي، لأن الناس يرونها ممثلة في شخص مترجمة إلى حياة.
ولو كان الرسل من غير البشر لا يأكلون الطعام، ولا يمشون في الأسواق، ولا يعاشرون النساء. ولا تعتلج في صدورهم عواطف البشر وانفعالاتهم لما كانت هناك وشيجة بينهم وبين الناس. فلا هم يحسون دوافع البشر التي تحركهم، ولا البشر يتأسون بهم ويقتدون.
وأيما داعية لا يحس مشاعر الذين يدعوهم ولا يحسون مشاعره، فإنه يقف على هامش حياتهم، لا يتجاوب معهم ولا يتجاوبون معه. ومهما سمعوا من قوله فلن يحركهم للعمل بما يقول. لما بينه وبينهم من قطعية في الحس والشعور.
وأيما داعية لا يصدق فعله قوله. فإن كلماته تقف على أبواب الآذان لا تتعداها إلى القلوب. مهما تكن كلماته بارعة وعباراته بليغة. فالكلمة البسيطة التي يصاحبها الانفعال، ويؤيدها العمل. هي الكلمة المثمرة التي تحرك الآخرين إلى العمل.
والذين كانوا يقترحون أن يكون الرسول من الملائكة، كالذين يقترحون اليوم أن يكون الرسول منزهاً عن انفعالات البشر.. كلهم يتعنتون ويغفلون عن هذه الحقيقة. وهي أن الملائكة لا يحيون حياة البشر بحكم تكوينهم ولا يمكن أن يحيوها.. لا يمكن أن يحسوا بدوافع الجسد ومقتضياته، ولا بمشاعر هذا المخلوق الآدمي ذي التكوين الخاص. وأن الرسول يجب أن يحس بهذه الدوافع والمشاعر، وأن يزاولها في حياته الواقعية ليرسم بحياته دستور الحياة العملي لمتبعيه من الناس.
وهنالك اعتبار آخر، وهو أن شعور الناس بأن الرسول ملك لا يثير في نفوسهم الرغبة في تقليده في جزئيات حياته؛ لأنه من جنس غير جنسهم، وطبيعة غير طبيعتهم، فلا مطمع لهم في تقليد منهجه في حياته اليومية.
وحياة الرسل أسوة دافعة لغيرهم من الناس.
وهذا وذلك فوق ما في ذلك الاقتراح من غفلة عن تكريم الله للجنس البشري كله، باختيار الرسل منه، ليتصلوا بالملأ الأعلى ويتلقوا عنه.
لذلك كله اقتضت سنة الله الجارية اختيار الرسل من البشر؛ وأجرت عليهم كل ما يجري على البشر من ولادة وموت. ومن عواطف وانفعالات. ومن آلام وآمال. ومن أكل للطعام ومعاشرة للنساء.. وجعلت أكبر الرسل وأكملهم وخاتمهم وصاحب الرسالة الباقية فيهم.. أكمل نموذج لحياة الإنسان على الأرض، بكل ما فيها من دوافع وتجارب وعمل وحياة.
تلك سنة الله في اختيار الرسل. ومثلها سنته في إنجائهم ومن معهم، وإهلاك المسرفين الظالمين المكذبين:
{ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين}..
فهي كذلك سنة جارية كسنة اختيارهم. وقد وعدهم الله النجاة هم والمؤمنون معهم إيماناً حقيقياً يصدقه العمل؛ فصدقهم وعده، وأهلك، الذين كانوا يسرفون عليهم، ويتجاوزون الحد معهم.
هذه السنة يخوف الله بها المشركين الذين كانوا يواجهون الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسراف عليه، وتكذيبه، وإيذائه والمؤمنين معه. وينبههم إلى أنه رحمة بهم لم يرسل إليهم بخارقة مادية، يتبعها هلاكهم، إذا هم كذبوا بها كما كذب من قبلهم. إنما أرسل إليهم بكتاب يشرفهم لأنه بلغتهم، ويقوم حياتهم، ويخلق منهم أمة ذات سيادة في الأرض وذكر في الناس. وهو مفتوح للعقول تتدبره، وترتفع به في سلم البشرية:
{لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون}..
إن معجزة القرآن معجزة مفتوحة للأجيال، وليست كالخوارق المادية التي تنقضي في جيل واحد، ولا يتأثر بها إلا الذين يرونها من ذلك الجيل.
ولقد كان به ذكر العرب ومجدهم حين حملوا رسالته فشرقوا بها وغربوا. فلم يكن لهم قبله ذكر، ولم يكن معهم ما يعطونه للبشرية فتعرفه لهم وتذكرهم به. ولقد ظلت البشرية تذكرهم وترفعهم طالما استمسكوا بهذا الكتاب، وقادوا به البشرية قروناً طويلة، فسعدوا وسعدت بما معهم من ذلك الكتاب. حتى إذا تخلوا عنه تخلت عنهم البشرية، وانحط فيها ذكرهم، وصاروا ذيلاً للقافلة يتخطفهم الناس، وكانوا بكتابهم يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون!
وما يملك العرب من زاد يقدمونه للبشرية سوى هذا الزاد. وما يملكون من فكرة يقدمونها للإنسانية سوى هذه الفكرة. فإن تقدموا للبشرية بكتابهم ذاك عرفتهم وذكرتهم ورفعتهم، لأنها تجد عندهم ما تنتفع به. فأما إذا تقدموا إليها عرباً فحسب بجنسية العرب. فما هم؟ وما ذاك؟ وما قيمة هذا النسب بغير هذا الكتاب؟ إن البشرية لم تعرفهم إلا بكتابهم وعقيدتهم وسلوكهم المستمد من ذلك الكتاب وهذه العقيدة.
لم تعرفهم لأنهم عرب فحسب. فذلك لا يساوي شيئاً في تاريخ البشرية، ولا مدلول له في معجم الحضارة! إنما عرفتهم لأنهم يحملون حضارة الإسلام ومثله وفكرته. وهذا أمر له مدلول له في تاريخ البشرية ومعجم الحضارة!
.. ذلك ما كان يشير إليه القرآن الكريم، وهو يقول للمشركين، الذين كانوا يواجهون كل جديد يأتيهم منه باللهو والإعراض والغفلة والتكذيب: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون}.
ولقد كانت رحمة بهم أن ينزل الله لهم هذا القرآن. ولا يأتيهم بالخارقة التي يطلبونها. فلا يأخذهم وفق سنته بالقاصمة كالقرى التي كذبت فاستأصلت.. وهنا يعرض مشهداً حياً من القصم والاستئصال:
{وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين}..
والقصم أشد حركات القطع. وجرسها اللفظي يصور معناها، ويلقي ظل الشدة والعنف والتحطيم والقضاء الحاسم على القرى التي كانت ظالمة. فإذا هي مدمرة محطمة.. {وأنشأنا بعدها قوماً آخرين}.
وهو عند القصم يوقع الفعل على القرى ليشمل ما فيها ومن فيها. وعند الإنشاء يوقع الفعل على القوم الذين ينشأون ويعيدون إنشاء القرى.. وهذه حقيقة في ذاتها.
فالدمار يحل بالديار والدّيار. والإنشاء يبدأ بالديارين فيعيدون إنشاء الدور.. ولكن عرض هذه الحقيقة في هذه الصورة يضخم عملية القصم والتدمير، وهذا هو الظل المراد إلقاؤه بالتعبير على طريقة التصوير!
ثم ننظر فنشهد حركة القوم في تلك القرى وبأس الله يأخذهم، وهم كالفيران في المصيدة يضطربون من هنا إلى هناك قبيل الخمود:
{فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون}..
يسارعون بالخروج من القرية ركضاً وعدوا، وقد تبين لهم أنهم مأخوذون ببأس الله. كأنما الركض ينجيهم من بأس الله. وكأنما هم أسرع عدواً فلا يلحق بهم حيث يركضون! ولكنها حركة الفأر في المصيدة بلا تفكير ولا شعور.
عندئذ يتلقون التهكم المرير:
{لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون}!
لا تركضوا من قريتكم. وعودوا إلى متاعكم الهنيء وعيشكم الرغيد وسكنكم المريح.. عودوا لعلكم تسألون عن ذلك كله فيم انفقتموه؟!
وما عاد هنالك مجال لسؤال ولا لجواب. إنما هو التهكم والاستهزاء!
عند ذلك يفيقون فيشعرون بأن لا مفر ولا مهرب من بأس الله المحيط. وانه لا ينفعهم ركض، ولا ينقذهم فرار. فيحاولون الاعتراف والتوبة والاستغفار:
{قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين}..
ولكن لقد فات الأوان. فليقولوا ما يشاءون. فإنهم لمتركون يقولون حتى يقضى الأمر وتخمد الأنفاس:
{فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين}.
ويا له من حصيد آدمي، لا حركة فيه ولا حياة؛ وكان منذ لحظة يموج بالحركة، وتضطرب فيه الحياة!
هنا يربط السياق بين العقيدة التي سبق الحديث عنها، وسننها التي تجري عليها، والتي تأخذ المكذبين بها. يربط بينها وبين الحق الكبير والجد الأصيل، اللذين يقوم بهما الكون كله، ويتلبس بهما خلق السماوات والأرض في صميمه.
فإذا كان المشركون يستقبلون القرآن كلما جاءهم منه جديد باللعب واللهو، غافلين عما في الأمر من حق وجد. وإذا كانوا يغفلون عن يوم الحساب القريب، وعما ينتظر المكذبين المستهزئين.. فإن سنة الله مطردة نافذة مرتبطة بالحق الكبير والجد الأصيل:
{وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنآ أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنآ إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون}..
لقد خلق الله سبحانه هذا الكون لحكمة، لا لعباً ولا لهواً. ودبره بحكمة، لا جزافاً ولا هوى، وبالجد الذي خلق به السماوات والأرض وما بينهما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وفرض الفرائض، وشرع التكاليف.. فالجد أصيل في طبيعة هذا الكون، أصيل في تدبيره، أصيل في العقيدة التي أرادها الله للناس، أصيل في الحساب الذي يأخذهم به بعد الممات.
ولو أراد الله سبحانه أن يتخذ لهواً لاتخذه من لدنه. لهواً ذاتياً لا يتعلق بشيء من مخلوقاته الحادثة الفانية.
وهو مجرد فرض جدلي: {لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا}.. ولو كما يقول النحاة حرف امتناع لامتناع. تفيد امتناع وقوع فعل الجواب لامتناع وقوع فعل الشرط. فالله سبحانه لم يرد أن يتخذ لهواً فلم يكن هناك لهو. لا من لدنه ولا من شيء خارج عنه.